هل نقع صدفة أم متى شئنا في الحب ؟ 

يقول الطبيب الأميركي الجنسية (جون موني) صاحب كتاب " الحب ومرض الحب " : إننا لا نقع صدفة في الحب .. فهناك في اللاشعور مجموعة من المعايير والمواصفات المحددة إلى درجة بعيدة .. تجعلنا نختار من سنقع في هواه من بين مئات المرشحين والمرشحات وهناك في الدماغ ما يدعى بـ " خارطة الحب " وهي سجّل لكل ما هو مثير أو منفّر و دليل فريد على الشريك المثالي .. فإن أتى هذا الشريك وانطبقت عليه كل الصفات ( وما أندر ذلك ) أو بعضها ( وهو الأغلب ) انطلقت إشارة ضوئية في الدماغ تقول :إنه الحب

 .

غير أن هناك وجهة (أنفية) للموضوع ,إذ يقول العلماء إن الجسد شعرا وجلدا وغددا عرقية يطلق كميات هائلة من مواد عديمة الرائحة تحمل التوقيع الكيماوي الفريد لذلك الجسد ( تدعى الفورمونات )تلتقطها الأنوف ,هي التي تؤجج نار الحب من أول نظرة (أو شمّة) , وهي التي تبقي الجذوة مشتعلة ,أو هي ذاتها تنفرنا من شخص حال رؤيته , ونظل ننفر منه مهما فعل . 

يقول الدكتور موران أحد مكتشفي الفورمون البشري : " إننا نتصل كيماويا مع الآخرين طوال الوقت , دون أن نعي ذلك " , وهذا هو سر عشق البنات للعطور الرجالية والتي أرى أن لا معنى لها بعيدا عن تفاعلها الكيماوي مع الجسم .

ولهذا يعسر أن نقع في حب اثنين أو اثنتين في ان واحد هذا ما يقوله علم الكيمياء الحيوية وعلم الطب على الأقل, فإن عرفت غير ذلك فلا تدعه بالحب ..بل سمه أي شيء آخر … فالحب الحقيقي لا يقبل المشاركة.

يقول جراح القلب الشامي الشهير سامي القباني : " الحب هو ذلك اللص الخفي الجميل الذي يدخل بيتك في الوقت الذي لا تتوقع , ويسرق أعز ما فيه , فتراقبه وهو يهرع بحمله خارج البيت ….وأنت لا تنبس ببنت شفة " .

الحب العصري :

الحب في زماننا عجيب … ولو تابعتم نَظم الحياة لرأيتم التسارع الشديد في دقاتها ووتيرتها . كل الناس على عجلة من أمرهم وكذا المحبون . الأغاني القديمة وكذا الأفلام تبرر هذا الفرق أيضافأغاني زمان فيها التأني والجمال خلافا لضجيج عصرنا الحاضر .الناس في يومنا هذا يريدون الإثارة ولو كانت قاتلة … لا يريدون حبا " باردا " تقليديا ….. 

ولو أخذنا بعين الاعتبار المنحنى الأخلاقي لرأينا بوضوح هبوط المنحنى البياني … ومع ذلك فإن ذلك الحب في زمن التناقضات ليختلف حسب البيئة والمكان

وحسب التربية والوضع المادي والأسري … فكيف يكون الحب في عائلة مفككة ترعرع أطفالنا على رؤية الخلافات ولم يجتمع شمل العائلة إلا نادرا ؟كيف يكون الحب يكون راعيها غير ملتزم ولا يحترم المبادئ ؟ وماذا يحدث حينما يعصف الحب بقلب كبير مليء بالكبرياء , أو بقلب شاب يقول له المجتمع : إن الحب ممنوع ؟

حب زماننا حب غرائبي عجائبي فيه ممارسات لا تخطر على بال . لقد زال تقريبا ما كان يسمى بالحب العذري ليحل محله في كثير من الأحيان المجون أو حتى الجنون … إنه زمن الحب السطحي (ياناس أنا دبت في دباديبو) … الحب الذي يسمح بما لا تسمح به الصداقة البريئة … حب الإثارة إلى ما لا حدود

ترى هل كان " يانغ شانغ " محقا حينما قال : 

" كم يكون المرء تافها إذا أمضى وقتا كبيرا من شبابه الذي لا يعوض جريا وراء الحب " ؟ 

هل كان يعني أولئك الراكضين وراء الصبايا الذين لا هم لهم سوى الغزل و " الحب " ؟

 

أعزائي………

دعونا من الألم واللوعة , فالحب أيضا بناء وفرح وطمأنينة … وهو أدعى إلى العيش بسلام ووئام هذين اللذين نسمع عنهما الكثير في عالمنا المعاصر عالم الصولات والجولات ….ولا نراهما .

الحب شعلة نور…. و " الإنسان المحب يرى في الظلام " ولا يضيق سم الخياط على متحابين ولا تتسع الدنيا متباغضين …. والحب لا يخفى إن كان صادقا كما يقول زهير:

الود لا يخفى وإن أخفيته والبغض تبديه لك العينان
فاحذروا أصحاب الأوجه المقنعة المتجمدة الممثلة .. واعلموا أن حالة الحب قابلة للتشخيص …. ودليلها الأول هو القلب :


 

لي حبيب خياله نصب عيني واسمه في جوارحي مكنون

إن تذكرته فكلي قلوب أو تأملته فكلي عيون

ولعل في قول بشار بن برد تعليلا مقبولا : 

فقلت دعوا قلبي وما اختار وارتضى 
                                      فبالقلب لا بالعين يبصر ذو الحب 

 

مقتبس من أحد المقالات الطبية الأدبية