دليل فارس النور

نظرة فارسي النور تتوهج بوميض خاص. إنهم في العالم، وهم جزء من حياة الآخرين، ينطلقون في رحلتهم حفاة ، بلا نعال أو زاد، وغالبا ما يحدث لهم أن يكونوا جبناء، ولا يتصرفون دائما التصرف الصحيح.
يتألم فارسوا النور لأتفه الأسباب، لديهم تصرفات وضيعة، و يشهدون أحيانا على أنفسهم أنهم غير قادرين على مسايرة التطور، وأحيانا يرون أنفسهم غير جديرين بأية بركة أومعجزة.
لا يعرفون على وجه اليقين ما يفعلون هنا. غالبا ما يقضون ليال بدون نوم، معتقدين أن حياتهم لا معنى لها.
لهذا السبب هم فارسوا نور.لأنهم يخطئون. لأنهم يتساءلون. لأنهم يبحثون عن سبب ـ و الأكيد أنهم يجدونه.

=

فارس النور لا يخشى أن يبدو مجنونا في نظر الآخرين .
يتحدث إلى نفسه بصوت عال حين يكون بمفرده.
إنها الطريقة المثلى للتواصل مع الملائكة ، هذا ما تعلمه من أحد الأشخاص.
في البداية، يجد التحدث إلى النفس صعبا للغاية.
يظن أن ليس لديه ما يقوله، و أنه لن يكرر سوى الكلام الفارغ من أي معنى.
ورغم ذلك، يصر الفارس.
كل يوم يتحدث إلى قلبه.
يقول أشياء لايِؤمن بها إطلاقا، يقول أي كلام.
وذات يوم، يلاحظ تغيرا في نبرات صوته، و يدرك أنه بصدد حفر قناة لحكمة عالية.
يبدو الفارس مجنونا، لكن ذلك مجرد قناع.

=

قال شاعر:" فارس النور ينتقي أعداءه".
يعرف فارس النور مدى قدراته، وليس في حاجة إلى أن ينتقل من مكان إلى مكان متبجحا بميزاته وفضائله.
والحال أن في كل لحظة، يبرز من يود أن يبرهن على أنه أفضل منه.
يعرف الفارس أن لا وجود لـ " أفضل " أو " أسوأ ": فكل شخص متمكن من ملكات ضرورية لشق طريقه الخاص.
لكن بعض الأشخاص يتمسكون بعنادهم.
يستفزونه ، يهينونه ، و يعملون كلما بوسعهم لإثارته.
ولحظتها، يهمس له قلبه:" لا تستجب لهذه الإهانات، فلن تضيف شيئا لمهارتك، بل ستنهك نفسك دون طائل."
لا يهدر فارس النور وقته في الاستجابة للاستفزازات؛ إذ عليه أن يحث السير إلى ما هو مقدر له أن ينجزه.

=

يتذكر فارس النور، في كل لحظة، مقطعا لـ " جونبونيان"*:
" رغم كلما اجتزته من عقبات و مررت به من محن، فأنا غير نادم على الصعوبات الكثيرة التي واجهتها، لأنها هي التي قادتني إلى المكان الذي رغبت الوصول إليه. و الآن، و باقتراب النهاية، كل ما أملكه هذا السيف و سأمنحه لمن يريد مواصلة الطريق إلى حجه. أحمل معي علامات و ندوب المعارك ـ هي الشواهد على ما عانيت والمكافآت على ما أنجزته من فتوحات.
" هذه العلامات و الندوب العزيزة هي التي ستفتح لي أبواب الجنة.
هناك زمان، قضّيت حياتي أسمع فيه حكايات الشجاعة والبطولة.
هناك زمان عشت فيه فقط لحاجتي إلى العيش.
لكني الآن أعيش لأني فارس، و لأني أتمنى أن يأتي يوم أكون فيه صحبة ذاك الذي قاتلت من أجله بضراوة ".

=

يتعرف فارس النور طريقه اللحظة التي يبدأ فيها المسير.
كل حجرة، كل منعطف يرحب به. يتماهى مع الجبال و المسيلات. يرى بعضا من روحه في النباتات و الحيوانات و طيورالبادية.
عندئذ، و قد رضي بمعونة الرب و علاماته، يستسلم لأسطورته الشخصية مفسحا المجال لها لترشده إلى المهمات التي احتفظت بها لأجله.
في بعض الليالي، لا يجد مأوى يأوي إليه لينام، و في ليال أخر، يتألم أرقا. يقول المحارب في داخله:" أنا من قرر أن يسلك السبيل هذا، و هذا الألم ما هو إلا جزء منه."
في هذه العبارة تكمن قوته كلها. هو من اختار السبيل الذي يسلكه الآن، لذا عليه ألايشتكي.

=

سيعمل، من الآن فصاعدا ـ و لقرون قليلة قادمة ـ الكونُ على مساعدة فارسي النور و سيصد عنهم أي ضرر.
طاقة الأرض في حاجة إلى تجديد.
الأفكار الجديدة في حاجة إلى فضاء.
الجسد و الروح في حاجة إلى تحديات جديدة.
المستقبل صار حاضرا، و كل الأحلام ـ باستثناء تلك التي تعكس أفكارا باليةـ ستكون لديها الفرصة للظهور.
الأشياء المهمة ستبقى؛ أما التافه منها فسيتلاشى. لكن المحارب يعرف أنه ليس مطالبا بالحكم على أحلام الذين يأتون من بعده، و لا يهدروقته في انتقاد قرارات الآخرين.
و كي يكون على ثقة بالسبيل الخاص به، هو ليس في حاجة إلى إثبات خطإ سبيل الآخر.

=

يدرس فارس النور وبحرص شديد، الموقع الذي ينوي احتلاله.
و مهما بلغت صعوبة الهدف، هناك دائما وسيلة للتغلب على العقبات. يتفحص السبل البديلة، و يشحذ سيفه، و يسعى جاهدا إلى ملإ قلبه بالعزم الضروري لمواجهة التحدي.
لكن، و كلما تقدم فارس النور، أدرك أن هناك صعوبات لم تكن حسبانه.
لو عليه أن ينتظر اللحظة المثالية، لما تحرك أبدا؛ فقليل من الجنون ضروري لاتخاذ خطوة أخرى.
يتصرف فارس النور بقليل من الجنون، ذلك لأنه ـ في الحرب كما في الحب ـ يستحيل التنبؤ بكل شيء.

=

يعرف فارس النور نقائصه كما يعرف مزاياه.
بعض الرفاق يكثرون من التشكي، يقولون: " الآخرون لديهم فرص أكثر من التي عندنا".
ربما يكونون على حق ؛ لكن المحارب لا يترك نفسه تصاب بالعجز جراء ذلك؛بل يبحث عن الجوانب القوية فيه.
يعرف أن قوة الغزال تكمن في سرعة ركضه، و قوةالنورس في دقة إصابة السمكة الهدف. تعلم فارس النور أن النمر لا يهاب الضبع ذلك لأنه يدرك مدى قوته.
يحاول المحارب معرفة على من يجب أن يعتمد، يفحص دائما متاعه، الذي يجب أن يتكون من ثلاثة عناصر: الإيمان ، الأمل و الحب.
إذا ما تواجدالثلاثة، فلا يتردد في مواصلة المسير.
فارس النور يعلم أن ما من أحد غبي، و أن الحياة يمكن أن يتعلم منها الجميع، و إن استدعى ذلك وقتا.
إنه، دائما، يقدم أفضل ما لديه و يتوقع من الآخرين أن يقدموا أفضل ما لديهم.
بأريحية يسعى إلى أن يبرز قيمة كل واحد منهم.
يعلق بعض الرفاق:" بعض الناس ينكرون الجميل".
لكن هذا لا يثني الفارس عن عزمه، و يستمر في تشجيع الآخرين، ففي ذلك تشجيع له هو نفسه.

=

ما من فارس نور إلا و اعتراه الخوف من دخول المعركة.
ما من فارس نور إلا و كذب أو خان في الماضي.
ما من فارس نور إلا و فقد الثقة في المستقبل.
ما من فارس نور إلا و تألم من أجل أشياء تافهة.
ما من فارس نور إلاو تلكأ في القيام بواجباته الروحية.
ما من فارس نور إلا و قال " نعم" حيث وجب عليه أن يقول " لا ".
ما من فارس نور إلا و آذى شخصا ما أحبه.
لكل هذا فهو فارس نور لأنه مر بكل هذه التجارب و لم يفقد الأمل في أن يصير أفضل مما هوعليه.

=

ينصت فارس النور، دائما، إلى أقوال بعض المتنبئين القدامى، كأقوال ت.هـ. هكسلي

 (t.h.huxley):
" إن ما يترتب عن أفعالنا من نتائج،هو فزاعات للجبناء و منارات مضيئة للحكماء".
" العالم رقعة شطرنج، و ما فوقها منقطع هي أفعال حياتنا اليومية، و قواعد اللعبة هي ما نسميه قوانين الطبيعة. لانستطيع تعرف اللاعب الذي يواجهنا، إلا أننا نعرف أنه عادل و مستقيم و صبور."
على فارس النور قبول التحدي، هو يعرف أن الرب لا يرضى بأدنى خطإ من أولئك الذين يحبهم،و لا يسمح لمن اصطفاهم من عباده أن يجهلوا قواعد اللعبة.

=

لا يؤجل فارس النور اتخاذ قراراته.
إنه يفكر مليا قبل التحرك، و يأخذ في الاعتبار تدريباته، مسؤوليته و واجبه كمعلم.
يحرص على المحافظة على هدوئه، ويعتبر كل خطوة يخطوها كما لو كانت هي ذات الأهمية الأسمى.
حينذاك، و في لحظة اتخاذ القرار، يتقدم الفارس إلى الأمام: فلم يعد لديه مجال للشك في حسن اختياره، ولا يغير وجهته و لو كانت الأحوال غير تلك التي كان يتوقع.
إذا ما كان قراره صائبا فسيربح المعركة حتى و إن طالت أكثر مما كان يتصور.
وإذا ما كان قراره خاطئا فإنه سيهزم و ما عليه إلا أن يعيد الكرة ـ لكن بحكمة أكبر.
حين ينطلق فارس نور فإنه لا يتوقف و يثابر إلى النهاية.
يعرف فارس النور أن أفضل معلميه هم أولئك الذين يقاسمونه ساحة الوغى…
إن لمن الخطر طلب النصيحة، و الأخطر إسداؤها.
حين يحتاج الفارس مساعدة، فإنه يجهد نفسه في ملاحظة الكيفية التي يحل بها أصحابه أو لايحلون بها مشكلاتهم.
و حين يبحث عن إلهام، يقرأ على شفتي من إلى جواره الكلمات التي يود ملاكه الحارس أن يقولها له.
و عندما يشعر بالتعب أو الوحدة، فإنه لايحلم بالنساء أو الرجال البعيدين، بل يبحث عن المقربين إليه و يتقاسم معهم آلامهم ورغبتهم في الحنان ـ بسرور و دون شعور بالذنب.
يعرف الفارس أن النجم الأكثر بعدا في الكون يعلن عن نفسه من خلال الأشياء التي تحيط به.

=

فارس النور يقاسم الأشخاص الذين يحبهم عالمه.
و يحثهم على تحقيق رغباتهم إلا أنهم لا يملكون الجرأة.
في أوقات كهذه، يظهر الشر حاملا لوحين.
مكتوب على أحدهما:" فكر مليا في نفسك. احتفظ بنعمك لذاتك و إلا انتهيت بفقد كل شيء."
و يقرأ على الآخر: " من تكون أنت لتساعد الآخرين؟ ألا ترى عيوبك الخاصة؟"
لا يجهل فارس النور عيوبه،لكن يعرف أيضا، أنه لا يستطيع أن يكبر لوحده بمنأى عن صحبه.
لذا، يلقي باللوحين أرضا حتى وإن اعتقد أنهما يجملان قدرا من الحقيقة.
يسقطان متحولين إلى غبار، ويواصل الفارس مساعدة المقربين إليه.
يقول الفيلسوف لاوتسو عن رحلة فارس النور:
" يبدي الاحترام لكل الأشياء الصغيرة والتافهة. ويتعلم أن يدرك اللحظة المناسبة لتبني المواقف الضرورية."
" وحتى وإن كنت قد استخدمت قوسك مرارا، فواظب على الانتباه إلى الطريقة التي توجه بها السهم وتشد الوتر."
" عندما يعرف المبتدئ ما يريده، فإنه يثبت أنه أكثر ذكاء من متمرس شارد الذهن."
" تكريس الحب يجلب الحظ، و تراكم الكراهية يجلب البؤس. و كل من يخفق في إدراك المشاكل يترك الباب مفتوحا أمام المآسي."
" المعركة أمر مختلف عن الشجار."

=

يتأمل فارس النور.
يجلس في مكان هادئ داخل خيمة و يسلم نفسه للنور الرباني.
عندما يفعل ذلك يحاول ألا يفكر في أي شيء. يعزف عن الملذات و التحديات و الاستعراضات.
يتيح لمواهبه و قدراته أن تفصح عن ذاتها.
و حتى و إن لم يدرك ذلك في حينه، فإن تلك المواهب و القدرات سوف تهتم بحياته و تؤثر في كيانه يوما وراء يوم.
عندما يتأمل الفارس، لا يكون هو ذاته، بل يكون قبسا من نور العالم.
التأمل يمنحه إدراكا لمسؤولياته و كيف عليه أن يتصرف وفقها.
يعرف فارس النور أن في سكينة قلبه يسمع نداء يرشده.

=

يقول " هيرقل" لمعلمه " زن ":
" يحدث في لحظة ما، حين أجذب قوسي ،أن أحس بالاختناق إن لم أطلق السهم في الحال .
و يعقب المعلم:
ـ متى أجهدت نفسك في استعجال اللحظة لإطلاق السهم، فلن تتعلم فن الرماية. إن اليد التي تجذب القوس يجب أن تفتح كيد طفل. الشيء الذي قد يحدث اضطرابا أحيانا في دقة التصويب، إنها الإرادة الحية للرامي."
يفكر فارس النور أحيانا: " مالم أقم بإنجازه، فلن يتم إنجازه."
لكن لا يسير الأمر كذلك: عليه أن يتحرك، و لكن عليه أيضا أن يدع الكون يعمل في الوقت المطلوب.