خضرة الحقول اليانعة … وزرقة السماء الصافية … وحمرة الورود الدامية … وصفرة الرمال الذهبية … وكل الألوان المبهجة التى نشاهدها فى الأشياء ، لا وجود لها أصلاً فى الأشياء … وإنما هى إصطلاحات جهازنا العصبى وشفرته التى يترجم بها أطوال الموجات الضوئية المختلفة التى تنعكس عليه

…إنها كآلام الوخز التى نشعر بها من الأبر …ليست هى الصورة الحقيقية للإبر… وإنما هى صورة لتأثرنا بالإبر

وبالمثل طعم الأشياء ورائحتها وملمسها وصلابتها وليونتها وشكلها الهندسى وحجمها ، لا تقدم لنا صورة حقيقية لما نلمسه ونشمه ونذوقه ، وإنما هى مجرد الطريقة التى تتأثر بهذه الأشياء … إنها ترجمة لا وجود لها خارجنا

كل ما نراه ونتصوره خيالات مترجمة لا وجود لها فى الأصل مجرد صور رمزية للمؤثرات المختلفة …صورها جهازنا العصبى بأدواته الحسية المحدودة

أهى أحلام ؟ هل نحن نحلم ولا وجود لهذا العالم
هل هذه الصفات تقوم فى ذهننا دون أن يكون لها مقابل فى الخارج

البداهة والفطرة تنفى هذا الرأى …فالعالم الخارجى موجود… وحواسنا تحيلنا دائماً على شئ آخر خارجنا … ولكن هناك فجوة بيننا وبين هذا العالم …حواسنا لا تستطيع أن تراه على حقيقته … وإنما هى تترجمه دائماً بلغة خاصة وذاتية وبشفرة مختلفة

ولو أننا كنا نحلم … ولو أننا كنا نهذى كل منا على طريقته لما استطعنا أن نتفاهم … ولما استطعنا أن نتفق على حقيقة موضوعية مشتركة … ولكننا فى الحقيقة نتناول بين أيدينا تراجم حسية …ربما ناقصة .. وربما غير صحيحة ..ولكنها تراجم لها أصل أمامنا

هناك نسخة موضوعية من الحقيقة نحاول أن نغش منها على قدر الإمكان … هناك حقيقة خارجنا

إننا لا نحلم … وإنما نحن سجناء حواسنا المحدودة وسجناء طبيعتنا العاجزة … وما نراه ينقل إلينا دائماً مشوهاً وناقصاً ومبتوراً نتيجة رؤيتنا الكلية

والنتيجة أن هناك أكثر من دنيا … هناك الدنيا كما هى الحقيقية وهذه لا نعرفها ولا يعرفها إلا الله … وهناك الدنيا كما يراها الصرصور … وهى مختلفة تماماً عن دنيانا ، لأن الجهاز العصبى للصرصور مختلف تماماً عن جهازنا فهو يرى الشمس بطرقة مختلفة وهى لا يرى الشجرة كما نراها نحن الشجرة وهو لا يميز الألوان

وهناك الدنيا كما تراها دودة الأسكارس … وهى مختلفة تماماً عن دنيا الصرصور … فهى دنيا كلها ظلام …دنيا خالية من المناظر .. ليس فيها سوى إحساسات بليدة تنتقل عن طريق الجلد

وهكذا كل طبقة من المخلوقات لها دنيا خاصة بها